المنهج البنيوي: تعريفه، وعوامل نشأته، وروافده، ومبادئه، ورواده في العالمين العربي و الغربي

المنهج البنيوي: تعريفه، وعوامل نشأته، وروافده، ومبادئه، ورواده في العالمين العربي و الغربي

المنهج البنيوي في النقد الأدبي: المفهوم، النشأة، الروافد والمبادئ (درس مفصل)

أهلاً بكم طلابنا الأعزاء في منصتكم التعليمية “ديوان العربية”. بعد أن أنهينا دراسة الخطابات الشعرية والأشكال النثرية الحديثة، ننتقل اليوم إلى شق بالغ الأهمية في مقرر اللغة العربية للبكالوريا، وهو “المناهج النقدية”. وسنبدأ رحلتنا مع المنهج الأكثر صرامة وعلمية في مقاربة النصوص الأدبية: المنهج البنيوي.

إن فهم المنهج البنيوي يتطلب منّا تغيير نظرتنا التقليدية للأدب؛ فهذا المنهج لا يهتم بمشاعر الشاعر، ولا بظروف مجتمعه، بل ينظر إلى “النص” وكأنه كائن مستقل بذاته. دعونا نغوص في تفاصيل هذا المنهج خطوة بخطوة.


1. ما هو المنهج البنيوي؟ (مفهوم البنيوية)

البنيوية (Structuralism) هي نظرية ومنهج نقدي وصفي، يقوم على دراسة “البنية الداخلية” للعمل الأدبي (قصيدة، رواية، مسرحية). ينظر هذا المنهج إلى النص باعتباره نسقاً أو نظاماً لغوياً مغلقاً، تتشابك فيه مجموعة من العناصر والدوال والرموز التي تخلق المعنى من خلال علاقاتها ببعضها البعض.

يقوم العمل النقدي البنيوي على خطوتين إجرائيتين أساسيتين:

  1. التفكيك: تقطيع النص إلى عناصره اللغوية والصوتية والتركيبية الصغرى.
  2. التركيب: إعادة تجميع هذه العناصر لاكتشاف القوانين والنظام (النسق) الذي يحكمها ويولد دلالاتها.

القطيعة مع الخارج: أهم ما يميز المنهج البنيوي هو مقاطعته التامة لكل ما هو خارج عن النص. فهو لا يهتم بحياة المؤلف (المنهج النفسي)، ولا بالظروف التاريخية (المنهج التاريخي)، ولا بالصراعات الطبقية (المنهج الاجتماعي). البنيوية تؤمن بمقولة: “النص، ولا شيء غير النص”، أو ما أطلق عليه رولان بارت لاحقاً “موت المؤلف”.


2. سياق النشأة والتطور في الغرب

لم يظهر المنهج البنيوي في الساحة النقدية بشكل واضح إلا في منتصف القرن العشرين، وتحديداً في فرنسا خلال فترة الستينيات.

كانت الانطلاقة الحقيقية عندما قام الناقد “تزيفتان تودوروف” بترجمة أعمال ومقالات مدرسة “الشكلانيين الروس” إلى اللغة الفرنسية في كتاب شهير بعنوان (نظرية الأدب: نصوص الشكلانيين الروس). من هنا، بدأت البنيوية تتفرع وتغزو مجالات أدبية متعددة لتفرز لنا تخصصات دقيقة:

  • البنيوية السردية: التي تدرس فنون السرد كالقصة والرواية (مع رولان بارت، تودوروف، وجيرار جنيت).
  • البنيوية الأسلوبية: (مع مايكل ريفاتير).
  • البنيوية الشعرية: التي اهتمت بلغة الشعر وانزياحاتها (مع جان كوهن).
  • البنيوية السيميائية (السيميوطيقا): التي تدرس العلامات (مع غريماس).

3. المصادر والروافد: من أين استمدت البنيوية أفكارها؟

لم تنشأ البنيوية من عدم، بل تضافرت مجموعة من النظريات والمدارس الفكرية لتأسيس مبادئها، وأهم هذه الروافد:

  • علم اللسانيات الحديث (الرافد الأهم): وتحديداً لسانيات العالم السويسري “فرديناند دي سوسير”. فرغم أنه لم يستعمل مصطلح “البنية” صراحة، إلا أن تفريقه بين (الدال والمدلول) وبين (اللغة والكلام)، ونظرته للغة كنسق من العلامات، شكلت حجر الزاوية الذي بنيت عليه كل الاتجاهات البنيوية اللاحقة.
  • حركة الشكلانيين الروس: ظهرت في روسيا بداية القرن العشرين، ودعت إلى دراسة “أدبية الأدب” (ما يجعل النص أدباً)، معتبرة أن الأدب نظام لغوي مستقل وليس مجرد انعكاس باهت للواقع الاجتماعي أو التاريخي.
  • النقد الجديد (الأنجلو-أمريكي): تيار ظهر في الأربعينيات في أمريكا، يرى رواده أن الشعر أقرب إلى “الرياضيات الفنية”، حيث الاهتمام ينصب على القالب الشعري والتنظيم الداخلي للقصيدة بمعزل عن أي غاية خارجية، فشعارهم: لا هدف للشعر سوى الشعر ذاته.
  • الفلسفة الظاهراتية (الفينومينولوجيا): التي أسسها “إدموند هوسرل”، والتي دعت إلى العودة إلى “الأشياء ذاتها” ووصفها كما تتجلى في الوعي، مع إقصاء التفسيرات الميتافيزيقية أو الغيبية.

4. أهداف المنهج البنيوي وغاياته

جاءت البنيوية كرد فعل عنيف ورافض للمناهج النقدية “الإيديولوجية” (التي تربط الأدب بالمجتمع والتاريخ)، واعتبرتها مناهج تفتقر إلى الدقة العلمية. ولذلك، سطرت البنيوية لنفسها الأهداف التالية:

  1. علمنة الأدب: محاولة إضفاء طابع “العلمية والموضوعية” الصارمة على دراسة الأدب، لتخليص النقد من الأحكام الذاتية والانطباعية (التي تعتمد على الذوق الشخصي) والأحكام الإيديولوجية.
  2. دراسة الآليات الداخلية: التركيز على مستويات النص الداخلي (المستوى الصوتي، المعجمي، التركيبي، والدلالي) وكيفية أدائها لوظيفتها الجمالية.
  3. رصد تماسك النص: اختبار مدى تماسك لغة الكتابة الأدبية وتنظيمها المنطقي والرمزي، بغض النظر عن مدى تطابق المضمون مع الواقع الخارجي المعيش.

5. أبرز رواد المنهج البنيوي

في الغرب:

  • رولان بارت: من أبرز المنظرين الذين أصلوا للتحليل البنيوي.
  • تزيفتان تودوروف: منظّر البنيوية السردية ومترجم الشكلانيين.
  • جيرار جنيت: الذي وضع خطاطات دقيقة لتحليل الزمن السردي والمنظور في الرواية.

في العالم العربي: تأثر النقد العربي الحديث بالبنيوية الغربية، وحاول مجموعة من النقاد تطبيق مبادئها على النص العربي (سواء القديم كالشعر الجاهلي، أو الحديث)، ومن أبرز هؤلاء الرواد في العالم العربي نجد:

  • صلاح فضل (في كتابه منهج الواقعية في الإبداع الأدبي وتطبيقات أخرى).
  • كمال أبو ديب (في مقاربته البنيوية للشعر الجاهلي، وتحديداً معلقات امرئ القيس).
  • يمنى العيد، والناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو الذي وظف آليات قريبة من البنيوية والسيميائيات في تفكيك التراث السردي العربي.

نصيحة منهجية لطلاب البكالوريا: عند مطالبتكم بتحليل نص نظري يعالج المنهج البنيوي في الامتحان الوطني، ركزوا جيداً على استخراج الجهاز المفاهيمي (المصطلحات) الذي يوظفه الكاتب، مثل: (النسق، البنية، الدال، المدلول، التفكيك، التركيب، المحايثة). فهذه المصطلحات هي مفتاح تأكيد انتماء النص إلى المنهج البنيوي.

موضوعات ذات صلة